محمد هادي معرفة
221
شبهات وردود حول القرآن الكريم
وقد عرفت أنّ سحرهم كانت شعوذة والأخذة بالعين لا غير . فقد سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ « 1 » وكانت حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى . « 2 » فقد كان مجرّد تلبيس وتمويه في الأمر وأروهم ما كان الواقع خلافه . وإذا كان هذا ( مجرّد التخييل والتمويه ) سحرا عظيما - والسّحر ما لطف ودقّ مأخذه - فكيف بغير العظيم الذي هو أخفّ وزنا وأردأ شأنا . هذا ما يرسمه لنا القرآن من واقع السحر ، وأنّه يخالف تماما ما كانت العرب تعتقده بشأن السحر وتأثيره في قلب الواقع ، فكيف يا ترى مزعومة من زعم أنّ القرآن وافق العرب في عقيدتها أو جاملهم وتماشى معهم في أمر باطل ! ؟ قال سيّد قطب : وحسبنا أن يقرّر القرآن أنّه سحر عظيم ، لندرك أيّ سحر كان . وحسبنا أن نعلم أنّهم سحروا أعين الناس وأثاروا الرهبة في قلوبهم وَاسْتَرْهَبُوهُمْ لنتصوّر أيّ سحر كان . ولفظ « استرهب » ذاته لفظ مصوّر ، فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسرا . ثمّ حسبنا أن نعلم من النصّ القرآني - في سورة طه - أنّ موسى عليه السّلام قد أوجس في نفسه خيفة لنتصوّر حقيقة ما كان . ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه ، وتطالع السحرة الكهنة ، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ . « 3 » إنّه الباطل ينتفش ، ويسحر العيون ، ويسترهب القلوب ، ويخيّل إلى الكثير أنّه غالب ، وأنّه جارف ، وأنّه محيق ! وما هو إلّا أن يواجه الهادئ الواثق ، حتّى ينفثئ كالفقّاعة ، وينكمش كالقنفذ ، وينطفئ كشعلة الهشيم ! وإذا الحقّ راجح الوزن ، ثابت القواعد ، عميق الجذور . والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال ، وهو يصوّر الحقّ واقعا ذا ثقل « فوقع الحقّ » . . . وثبت ، واستقرّ . . . وذهب ما عداه فلم يعد له وجود : وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ .
--> ( 1 ) الأعراف 7 : 116 . ( 2 ) طه 20 : 66 . ( 3 ) الأعراف 7 : 117 - 119 .